Thursday, Apr 09th, 2020 - 10:05:58

Article

Primary tabs

"خاص برايفت" سفيرة اليونسكو للنوايا الحسنة السيدة مهى الخليل: مستمرّة في تحقيق الإنجازات لمدينتـي رغـم كـلّ المحاربـة

مناضلةٌ شرسة، مخططة، مكافحة، مثابرة لا تتعب ولا تملّ. كيف لا وهي ابنة الجنوب، ابنة صور العنيدة، ابنة بيتٍ سياسيٍّ عريق، ابنة كاظم الخليل الصلب. حملت قضية بلدها ودارت حول دول العالم دفاعا ً عن أرض الحضارة والثقافة. قابلت كبار الكبار، صممّت، فاوضت، نجحت، أنجزت، كُرّمت وخُذلت. لم تعرف اليأس في يوم رغم المضايقات الكثيرة التي تعرّضت وتتعرّض لها. فأهدافها أرقى من أطماع بعض الحاقدين، وأعمالها لا تحتاج شهادات تقديريّة من أحد، اذ يكفي ان تختارها منظمةّ اليونسكو الدولية سفيرةً للنوايا الحسنة. السيّدة مهى الخليل تفتح قلبها، في حوارٍ شاملٍ وصريحٍ مع أسرة مجلّتنا، نستعرض فيما يلي أبرز ما دار فيه.

 

- في البداية نوّد أن نعرق سرّ هذه العلاقة التي تربطك بمدينة صور؟

 أنا ترعرت في صور وكبرت بين شواطئها الرمليّة الذهبيّة الغنيّة بالثروة البحريّة وبين  بساتينها الخضراء الغنيّة بتربتها ومنتوجاتها الزراعية. فصور مدينةٌ حضاريّةٌ تاريخيّةٌ، فيها آثارات نادرة تستوجب اهتماما ً يليق بهذه الثروة الوطنية العظيمة. وللمفارقة أنّه حينما طرحت قضيّة هذه المدينة في المحافل الدوليّة لقيت تجاوبا ً وتقديرا ً ملفتا ً لم ألقاه حتى في لبنان.

 

- ما مدى تأثير الوالد في انخراط مهى الخليل في  الشأن العام؟

في الحقيقة نشأت في بيئةٍ حضاريّة. فأنا قبل كلّ شيء إبنة بنت كاظم الخليل المثقف والذي جعلني أدرك أهميّة هذه المدينة العظيمة  بآثارها وثروتها البحريةّ المائيّة،  فهناك ثروة ثقافيّة هائلة مطمورة تحت الرّمال بأمتار قليلة وإذا ما كشفت في يوم  وبرزت إلى العالم، ستوازي بأهميّتها لا بل هي أهمّ من اكتشاف النفط بذاته، ذلك أن قيمتها التاريخيّة ستعزز مع تقدّم السنين كما أن مردودها المالي سيكون مرتفعا ً بفعل السياحة الثقافية التي ستنشط. مع الإشارة إلى أن العديد من دول العالم العريقة كإسبانيا وغيرها تعتمد في اقتصادها على مردود هذا النوع من السياحة.

 

بالعودة إلى السؤال الذي طرحته، أذكر أنه حين نلت شهادة البكالوريا، رغبت في أن أصبح مهندسة ديكور، لكن الوالد الذي لم يكن يرفض لي طلبا ً، رفض هذا الطلب بالذات وقال لي أن لديّ مهمّة تتعلّق بإنماء الجنوب والإهتمام بالمرأة فيه، وقد أصرّ على تخصّصي في مجال الخدمات الإجتماعية وهكذا كان حيث نلت شهادة في هذا المجال من الجامعة اليسوعية ولاحقا ً درست العلوم السياسية.

 

{{ أوّل مركز نموذجي

للخدمات الإجتماعية في صور }}

 

- نعلم أنك أسست وساهمت في إطلاق العديد من الجمعيات، ماذا تخبرينا عن هذه التجربة ؟

فعلا ً، لقد عملت في المجال الإجتماعي لسنوات طويلة كما أسّست عدداً من الجمعيّات. في البداية دخلت الصليب الأحمر اللبناني وكنت في هيئة المكتب وأنا في عمر الـ 21. لاحقا ً انخرطت في الحقل الإجتماعي فأسسّت جمعيّة «نساء جبل عامل» وجمعيّة «انعاش المخيم الفلسطيني»، كما عملت مع عددٍ من الجمعيّات مثل جمعيّة شفيق دياب للطفل والأمّ وغيرها. 12 سنة أمضيتها في الحقل العام الخدماتي الإجتماعي من العام 1960 وحتى العام 1972، علما ً أنني بنيت أوّل مركز نموذجي للخدمات الإجتماعيّة في صور، وكان على درجة من الأهمية بحيث كان يتألف من 3 طوابق، أحدهم مخصص للأطفال، والثاني للطبابة النسائيّة والثالث لتعليم الأميّات. 

 

- كيف تمكّنت من التوفيق بين عملك العام ودورك كأمّ وربة منزل؟

بالنسبة للمرأة ولأيّ ا نسان بشكلٍ عام، التنظيم هو المبدأ الذي يجب اتباعه. لا ننسى هنا أن الله منح المرأة إمكانيات كثيرة، والحمدلله تمكنّت من تربية أولادي تربيةً صالحة وأنا فخورة بهم الى أبعد حدود.

 

- بالعودة إلى صور، نعلم أنك شققت طريقا ً طويلا ً من أجل تأمين الحماية اللازمة لهذه المدينة، ماذا تخبرينا عن رحلة الشقاء هذه؟

خلال عملي في الحقل العام الإجتماعي، كان الوالد يهتمّ بإبراز معالم صور التاريخيّة، وحينها كان عبد الرحمان الخليل أيضاً رئيساً للبلديّة، وقد نجح الوالد في تأمين اقرار قانون من خلال المجلس النيابي يتعلّق بالتنظيم المدني لهذه المدينة، كما تمكّن أيضاً من الحصول على ميزانيّة  كبيرة لهذه الغاية. فتمّ تخصيص صور بقانونٍ  يمنع العمار في المدينة القديمة وكذلك في المدينة الجديدة إلاّ من خلال رخصة من مديريّة الآثار. وبالفعل انطلقت أعمال الحفر في العام 1962 واستمرّت للعام 1972، حيث تكّشفت معالماً عظيمة وفريدة في هذه النقطة من العالم. في العام 1975 توقّفت الحفريّات كليّا ً، فيما اعتبرت أنه لا بدّ من الإستفادة من هذه الثروة الثقافيّة الحضاريّة من أجل تأمين الإنماء المستدام والسليم. فولدت فكرة مهرجانات صور الدوليّة  في العام 1972، وكانت لجنة هذه المهرجانات تضمّ شخصيّات مرموقة جدّا ً. كما أنشأت لجنتين، واحدة تعنى بالمهرجانات الأرضيّة وأخرى بالمهرجانات البحريّة. أمّا الإفتتاح الفعلي لتلك المهرجانات فكان في العام 1975 أيّ في العام المشؤوم نفسه الذي اندلعت فيه الحرب. 

 

{{ من صور إلى مجلس الأمن  ...

قًصة إنجاز تاريخي }}

 

- ما كان تأثير الحرب على المهرجانات وعلى آثار صور بشكل عام؟

حين اندلعت الحرب، احتلّ الفلسطينيّون الجنوب اللبناني لحدود الليطاني، بما في ذلك المناطق الأثريّة في صور. وقد وضعوا عتداهم ومعدّاتهم العسكريّة تحت المدرج الروماني ما جعله هدفا ً للقصف الإسرائيلي، كما منعوا تواجد السلطات اللبنانيّة وأرادوا  وضع حدّ لتواجد آل الخليل وكافة العائلات الفاعلة في الجنوب، وبقيت الحالة على هذا النحو لمدة 7 سنوات أي لغاية العام 1982 حينما حصل الإجتياح الاسرائيلي الثاني، علماً أنّه خلال الإجتياح الأوّل الذي حصل في العام 1978، عمدت إسرائيل إلى إحضار علماء آثار الذين نفذّوا حينها حفريّات في صور وقانا وقاموا بأخذ أشياء كثيرة لا نعلم ما هي  لليوم، وهذا ما لفتني. من جهة أخرى، كنت أيضا ًعلى يقين بتواجد آثارا ً قيّمة وسليمة تحت مخيمّات  اللاجئين عند مداخل صور، أيّ مخيم البطّ ومخيّم الراشيديّة ومخيّم البرج، في وقت كانت القنابل العنقودية تتساقط متسببّة بقتل البشر واندحار الحجر، الأمر الذي حثّني على التحرّك. وكمبادرة فرديّة، توجّهت إلى منظمّة اليونسكو بهدف إدراج صور على لائحة التراث العالمي لمنحها حماية دوليّة ومنع التعدّي عليها بكافة أشكاله.

فتلك كانت الطريقة لوقف القصف وحماية البشر والحجر معا ً، وطرحت الفكرة  آنذاك على الرئيس الياس سركيس الذي أبدى إعجابه بها رغم إقراره بصعوبة تنفيذها، ومع ذلك خرجت وكلّي إصرار للأستمرار في هذه الفكرة حتى النهاية. وللغاية نفسها زرت وزير الخارجية فؤاد بطرس، وطلبت منه مساعدة سفراءنا في المنظمات الدولية وتعاونهم معنا، وهذا ما حصل. البداية كانت من اليونيسكو حيث حصلنا في العام 1978 على قرار من المجلس التنفيذي وإعتراف بأنّ مدينة صور هي من التراث العالمي وهي مهدّدة بالخطر ويجب حمايتها. الخطوة الثانية كانت مجلس الأمن، علما ً أنّ الأخير لايتعاطي في قضايا ثقافيّة، وقد تمكّنا في  العام 1979 وبعد ثلاثة  أيّام من الصراع داخل المجلس على قرارٍ في هذا الخصوص، الأمر نفسه بالنسبة للبرلمان الأوروبي الذي تبنّى الفكرة كلّيا ً.

 

- وكيف ترجم هذا الإنجاز التاريخي على أرض الواقع؟

لقد توّقف القصف على صور سنة 1980 إثر هذه القرارات الثلاث، وحينما حصل الإجتياح الثاني في العام 1982،  طلبت من مدير عام اليونيسكو أن يرسل انذارا ً الى اسرائيل بشأن صور على اعتبار أنّها تندرج على لائحة التراث العالمي وبحسب اتفاقية لاهاي الدولية للتراث العالمي يُمنع التعرضّ لها. غير أنّ الجواب كان صادما ً، حيث تبيّن أن لبنان  لم يصادق على تلك الإتفاقية التي وقعت ودخلت حيّز التنفيذ في العام 1972، وبالتالي لا قيمة فعليّة للقرارات التي استحصلنا عليها. مرّة جديدة إذن أخذت المبادرة وقلت لرئيس الوزراء حينها، بانّه لا بدّ من التوقيع على الإتفاقيّة بأيّ طريقة، واقترحت تمرير قانون جوّال يصل إلى النواب في منازلهم للتوقيع عليه. بالفعل وبعد 6 أشهر نجحنا وصادق  لبنان على الإتفاقية رغم الحرب وتعطّل المؤسسات، وهكذا حمينا الآثار ومنعنا التعدّي عليها.

 

- أين أنت من مهرجانات صور اليوم؟

السيدة رندة بري هي من تسلّم ادارة  هذه المهرجانات منذ العام 1980. 

 

{{ محاولات إقصاء فاشلة }}

 

- وماذا عنك؟ 

 بالنسبة لي، عندما لاحظت هذا الإهتمام الدولي بآثار صور قرّرت تأسيس جمعيّة دوليّة لحمايته وكان ذلك في 5 أيار 1980 من خلال مهرجانٍ ضخمٍ أقيم في اليونسكو حيث أطلقنا نشاطا ً عالميا ً لحماية المدينة  برعاية هذه المنظمة الدولية، وبات لهذه الجمعيّة فروعا ً في 13 عاصمة عالميّة، مثل  لندن، واشنطن، طوكيو وغيرها. في العام 1984  أطلقت حملة دوليّة لصور من اليونسكو أيضاً، وقد حضرت لها دراسات معمّقة علماً ان هذه الحملة لا تتعاطى فيها الدولة اللبنانية على المستوى المالي، إنما حدود تعاطيها تقف عند  تأمين خدمات تنظيمية، وكان هدفنا من هذا المشروع الضخم جعل صور منارة ثقافيّة على البحر المتوسطّ. 

حينها زرت رئيسي الجمهوريّة والحكومة  وأبلغتهما عن ضرورة اطلاق هذه الحملة. في البداية لاقيت تجاوبا ً وتشجيعا ً لا سيّما من الرئيس رفيق الحريري الذي طلب منّي لقاء وزير الثقافة ميشال إدّة للأتفاق على التفاصيل، الصدمة أتت بعد شهر حينما قيل لي بالحرف الواحد بأّنه ليس من الوارد أن أقوم أنا بهذه الحملة الدوليّة وبأنّه سيتم حلّ الجمعيّة الدولية التي أنشأتها، وسيتم تأسيس لجنة جديدة برعاية السيّدة رندة برّي التي ستقوم بهذه الحملة. طبعا ً أيقنت حينها أنّ هناك حربا ً مفتوحة ضدّي، وبالفعل فقد أصدروا مرسوما ً جمهوريّا ً يقضي بحلّ لجنة المهرجانات التي أنشاتها، وأنا لجأت إلى مجلس شورى للطعن في هذا المرسوم.  وبعد 19 سنة نلت حكما ً قضى بإبطال المرسوم الذي حمل توقيع الرئيس الياس الهراوي.

¡ وكيف تابعت العمل بظلّ محاولات العزل هذه؟

لقد استمرّيت في عملي رغم المحاربة الشرسة، وأقمت العديد من المؤتمرات، كما أطلقت «رابطة المدن الكنعانيية الفينيقية والبونية»، التي تضمّ اليوم 50 مدينة من البحر المتوسط، بينها  8 مدن لبنانيّة باستثناء صور طبعا ً لأسباب يدركها الجميع، ولدى هذه الرابطة مركزٌ للأبحاث والدراسات، إضافة إلى مكتبة توثيقيّة متخصصّة في هذه الحقبات، كما نعطي منحا ً للباحثين في هذا المجال . كذلك  أطلقنا منذ سنتين جائزة للمرأة في المتوّسط، أو بالأحرى جائزتينن، واحدة تمنح لإمرأة من شمال المتوسط وأخرى لجنوبه عن تميّزها في كافة المجالات.  السنة سينعقد المؤتمر في لبنان.

من جهة أخرى، أنا بصدد إنجاز مشروعٍ هامٍ في صور، وهو عبارة عن قرية حرفية نادرة يتمّ تشييدها حاليّا ًعلى مدخل صور في أرض زراعية، الهدف طبعا ً هو إنمائي لتعزيز دور المرأة ومساعدة ذوي الإحتياجات الخاصة، مع الإشارة إلى أن القرية تبنى بطريقة بيئيّة سليمة مستوحاة من الهندسة المعماريّة الفيتيقية واللبنانيّة القديمة. الإفتتاح  سيكون في 10 أيلول، على أن يسبقه مؤتمر ضخم في بيروت للتعريف عن هذه القرية.

 

- كلمة ختامية لكل سيدة تحارَب في هذه الحياة؟

أنا أقول لها أنه اذا كان لديها التصميم والقناعة اللازمين فلا بدّ من الوصول إلى الغاية المنشودة، وتبقى المثابرة والإجتهاد السبيل الوحيد لمواجهة كافة الصعوبات.

Back to Top